الشريف المرتضى
103
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
والعصبيّة ؟ فإنّ جميع الفصحاء حينئذ كانوا يمسكون عن تكذيبه والرّدّ عليه ، ويظهرون الرّضا بفعله والتّصديق لقوله ، كما أمسكوا عن أميّة بن خلف وهم مضطرّون إلى تكذيبه وبهته . وبعد ، فلم يلزم أن تقع المعارضة من سائر الفصحاء حسب ما ظننت ، وإنّما ألزمنا وقوعها في الجملة . وخصومنا - إن أحالوا على الجمع الكثير الّذين لا يجوز عليهم التّلاقي والتواطؤ والإخبار بما يضطرّون إلى بطلانه - فهم يجيزون ذلك على النّفر والجماعة الّتي يصحّ في مثلها التواطؤ ، فكيف لم تقع المعارضة من عدّة هذه صفتهم ؟ فإن عاد السّائل إلى أن يقول : لو عارض مثل هؤلاء بما لا يماثل في الحقيقة ، لما وافقهم الباقون من الفصحاء ، ولا أمسكوا عن تكذيبهم ! قلنا لهم : فقد أظهروا موافقة أميّة بن خلف الجمحيّ وأمسكوا عن تكذيبه ، اللّهمّ إلّا أن تريد ما كان يمسك عنهم من كان في جهة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فهذا ما قدّمنا فيه التّماثل . على أنّا لو طالبناك - أيّها السّائل - بالدّلالة على أنّ عدّة الفصحاء الّذين يعلمون فضل فصاحة القرآن على فصاحتهم وخروجه عن عادتهم ، كانت في ذلك الوقت كثيرة ، يستحيل في مثلها التواطؤ ؛ لأتعبناك أو أعجزناك ؛ لأنّ الفصحاء وإن علمنا وفورهم في أزمان التحدّي وظهورهم ، فليس كلّ من جاد في الفصاحة طبعه ، وعلت منزلته ، وتصرّف في النّثر والنّظم ، يجب أن يعلم ما ذكرناه ؛ لأنّا نرى في زماننا وفيما تقدّمه ، من هذه صفته ، وهو لا يفرّق بين مواضع من القرآن ، وفصيح كلام العرب في الفصاحة . وما لا يزال يقال في مثل هذا من أنّ أولئك كانوا على الفصاحة مطبوعين ومن عادتهم لها مكتسبين ، لا يغني شيئا .